الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
16
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والقلائد : جمع قلادة وهي ظفائر من صوف أو وبر ، يربط فيها نعلان أو قطعة من لحاء الشجر ، أي قشره ، وتوضع في أعناق الهدايا مشبّهة بقلائد النساء ، والمقصود منها أن يعرف الهدي فلا يتعرّض له بغارة أو نحوها . وقد كان بعض العرب إذا تأخّر في مكة حتّى خرجت الأشهر الحرم ، وأراد أن يرجع إلى وطنه ، وضع في عنقه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يتعرّض له بسوء . ووجه عطف القلائد على الهدي المبالغة في احترامه بحيث يحرم الاعتداء على قلادته بله ذاته ، وهذا كقول أبي بكر : واللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى رسول اللّه لقاتلتهم عليه . على أنّ القلائد ممّا ينتفع به ، إذ كان أهل مكة يتّخذون من القلائد نعالا لفقرائهم ، كما كانوا ينتفعون بجلال البدن ، وهي شقق من ثياب توضع على كفل البدنة ؛ فيتّخذون منها قمصا لهم وأزرا ، فلذلك كان النهي عن إحلالها كالنهي عن إحلال الهدي لأنّ في ذلك تعطيل مصالح سكان الحرم الذين استجاب اللّه فيهم دعوة إبراهيم إذ قال : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [ إبراهيم : 37 ] قال تعالى : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ [ المائدة : 97 ] . وقوله : وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ عطف على شَعائِرَ اللَّهِ : أي ولا تحلّوا قاصدي البيت الحرام وهم الحجّاج ، فالمراد قاصدوه لحجّه ، لأنّ البيت لا يقصد إلّا للحجّ ، ولذلك لم يقل : ولا آمّين مكة ، لأنّ من قصد مكة قد يقصدها لتجر ونحوه ، لأنّ من جملة حرمة البيت حرمة قاصده . ولا شك أنّ المراد آمّين البيت من المشركين ؛ لأنّ آمّين البيت من المؤمنين محرّم أذاهم في حالة قصد البيت وغيرها من الأحوال . وقد روي ما يؤيّد هذا في أسباب النزول : وهو أن خيلا من بكر بن وائل وردوا المدينة وقائدهم شريح بن ضبيعة الملقّب بالحطم ( بوزن زفر ) ، والمكنّى أيضا بابن هند . نسبة إلى أمّه هند بنت حسّان بن عمرو بن مرثد ، وكان الحطم هذا من بكر بن وائل ، من نزلاء اليمامة ، فترك خيله خارج المدينة ودخل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال : « إلام تدعو » فقال رسول اللّه : « إلى شهاد أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة » . فقال : « حسن ما تدعو إليه وسأنظر ولعلّي أن أسلم وأرى في أمرك غلظة ولي من ورائي من لا أقطع أمرا دونهم » وخرج فمرّ بسرح المدينة فاستاق إبلا كثيرة ولحقه المسلمون لمّا أعلموا به فلم يلحقوه ، وقال في ذلك رجزا ، وقيل : الرجز لأحد أصحابه ، وهو رشيد بن رميض العنزي وهو :